نموذج لتحليل النص النظري : قصيدة االرؤيا/

 

تحليل النص النظري القصيدة الرؤيا / ادونيس   -اعداد ذ. يوسف اعبوب
 
       يتخد النص شكل مقالة ، وفن المقالة من الفنون التي ولدت في رحم الحداثة في العالم العربي .تطورت بتطور الصحافة ، وانتقال العالم من الثورة الصناعية إلى الثورة الالكترونية القائمة على الرقمنة . وتأسيس مجتمع المعرفة .
يندرج النص إذن ضمن المقالة النقدية ، تطرح في أرض الأدب ظاهرة الشعر الجديد القائم على الرؤيا . والنقد خطاب تال على خطاب الأدب ، انه لغة ثانية تشتغل على لغة أولى .
يتموقع فوق جسد النص الكبير نص صغير يتجسد في العنوان قصيدة الرؤيا) .القصيدة من قصد الطريق أي سلكه ونهجه . وقصد اللغة أي قالها بطريقة غير مألوفة.وقول اللغة بطريقة ثانية إنتاج الكلام ، عن طريق الانزياح والخرق لقانون اللغة . انه الكلام الشعري .
أما الرؤيا فهي على وزن فعلى ما يراه الإنسان في منامه ,.والرؤية بالهاء رؤية العين ومعاينتها للشيء كما في المصباح , وتأتي أيضا بمعنى العلم . والرؤيا في الاصطلاح لا تخرج عن المعنى اللغوي .  وتتصل بألفاظ اخرى منها :
-         الإلهام :إيقاع شيء يطمئن له الصدر يخص به الله سبحانه بعض أصفيائه . والفرق بين الرؤيا والإلهام أن الإلهام , يكون في اليقظة , بخلاف الرؤيا فإنها لا تكون إلا في النوم .
-        الحلم : والحلم والرؤيا إن كان كل منهما يحدث في النوم إلا أن الرؤيا اسم للمحبوب, والحلم اسم للمكروه فيضاف إلى الشيطان . فالرؤيا رؤية ما يتأول على الخير والأمر الذي يسر به , والحلم هو الأمر الفظيع المجهول يريه الشيطان للمؤمن ليحزنه وليكدر عيشه .
-        الخاطر : ومعناه في اللغة ما يخطر في القلب من تدبير أمر , وفي الاصطلاح ما يرد على القلب من الخطاب أو الوارد الذي لا عمل للعبد فيه , والخاطر غالبا يكون في اليقظة بخلاف الرؤيا
-         الوحي : من معانيه في اللغة كما قال ابن فارس الإشارة والرسالة والكتابة وكل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه , وهو مصدر وحى إليه يحي من باب وعد , وأوحى إليه بالألف مثله , ثم غلب استعمال الوحي فيما يلقى إلى الأنبياء من عند الله تعالى . فالفرق بينه وبين الرؤيا واضح , ورؤيا الأنبياء وحي .
يؤسس العنوان ، من خلال مكوناته للقول الشعري على أساس الحلم والرؤيا . وهذا ما تفضي إليه الفقرة الأولى من المقالة .فإذا كان الشعر التقليدي يقوم على نظام الوزن والقافية وتداعيات العروض الخليلي ،فانه مع حركة الشعر الجديد نظام يمثل قفزة خارج المفاهيم ، يقوم على الرؤيا .
فما هي الإشكالية التي يعالجها أدونيس في مقاله؟ ما البنيات الدلالية التي تِأطر الموضوع ؟ كيف يقول النص ما يريد قوله ؟ ..
     يمكن تقسم النص الفقرات التالية :
·         الفقرة الاولى : تعريف الشعر الجديد: هو رؤيا تعتبر تغييرا في نظام الأشياء .
·         الفقرة الثانية : الشعر الجديد معرفة لها قوانينها الخاصة : انه إحساس كشفي لجوهر الإنسان عن طريق الخيال والحلم
·         الفقرة الثالثة :توجهات الشعر الجديد نحو التخلي عن :
أ‌-                   الحادثة .
ب‌-               الشعر الجديد يبطل أن يكون شعر وقائع.
ت‌-               الشعر الجديد يبتعد عن الجزئية ،انه رؤيا للعالم.
ث‌-               الشعر الجديد يتخلى عن الرؤية الأفقية.
ج‌-                الشعر الجديد يتخلى عن التفكك البنائي.
·         الفقرة الرابعة : عالم الشعر الجديد ، كشف لما هو غير مألوف .
·         الفقرة الخامسة : الشعر الجديد كشف ورؤيا.
 
 
يعرف أدونيس الشعر الجديد على أنه رؤيا ، ويحدد الرؤيا على أنها قفزة خارج المفاهيم القائمة . بذلك يكون الشعر الجديد نظاما جديدا يتمرد على الشكل الشعري القديم. قوامه المعنى الخلاق التوليدي وليس السرد والوصف . وكلما كانت القصيدة كذلك كانت عالما يظل دوما في حاجة إلى الكشف. من خصائص هذا الشعر الجديد: التعبير عن القلق الأبدي للإنسان . فالشاعر يخلق أسطورة الإنسان كما قال سارتر،يستقطب المشكلات التي يجابهها الإنسان في الكون ...
 هكذا يصبح الشعر الجديد نوعا من المعرفة، قانونها متميز عن قانون العلم ، انه الإحساس والكشف عن جوهر الإنسان ليس بالعقل والمنطق ولكن بالخيال والحلم .
 هنا يتجه الشعر الجديد نحو التخلي عن:
-        الحادثة فالشاعر الحق هو من يتجه نحو الزمن المستقبلي بديمومة الزمن..
-         الشعر الجديد جمالية تفرغ الكلمات من "ثقلها العتيق المظلم، لذا فهو يبتعد أن يكون شعر وقائع..
-         يتخلى الشعر الجديد عن الجزئية لأنه رؤيا للعالم ..
-         يتخلى الشعر الجديد عن الرؤية الأفقية ينظر إلى الأشياء نظرة تتجاوز السطح .
-        يتخلى الشعر الجديد عن التفكك البنائي ، فتأتي القصيدة وحدة متناغمة .
ولأن الشعر الجديد عالم غير متواضع عليه، فهو اكتشاف ما لم يكن معروفا، انه "كيفية الوجود وكيفية تعبير.
القصيدة الرؤيا كشف ورؤيا، تتمرد على الأشكال الشعرية القديمة وتعلو على الشروط الشكلية أساسها الحرية والنبوءة.
 يتجاوز الشعر الجديد  التصوير، إلى الكشف عن واقع الشاعر النفسي والاجتماعي والحضاري واستشراف المستقبل.بوسائل فنية ساهمت في توضيح القيمة الفكرية ،اذ تحول الشاعر عن الوسائل التقليدية لعدم مناسبتها حياته المتغيرة في مضمونها وإطارها فربط الشاعر أدوات تعبيره ووسائله الفنية باللحظة التي يحياها في طليعتها الخاصة  .
قصيدة الرؤيا تعمل في أرض أخرى مختلفة وتتحرك في مساحة خاصة ومحدودة. تنجح في الغوص عميقاً داخل طبقات الروح وتُطِل علىأغوارها السحيقة.
يضعنا أدونيس أمام إشكالية القصيدة الرؤيا، التي ليست تغييرا في مفهوم الشعر فحسب ، وإنما هي تغيير في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. إنها قصيدة تتجه عمودياً،بدلاً من ملامسة السطح والانتشار علىمساحة واسعة منه.  العالم الذي تخلقه هو عالم الكشف واستشراف المستقبل .فتأتي  مهووسة بالهمّ وتحمل في ثناياها قدراً كبيراً منالألم.. قصيدةالرؤيا أيضا هي قصيدة الأسئلة. إنها لا تقدم إجابات بقدر ما تبذر الشك والريبة فيكل شيء. وبسبب ذلك فإنها تُعمّق الجرح الوجودي وتفتح عينيّ الإنسان على الطبيعةالعدمية للكون.لا تعتمد قصيدة الرؤيا طرقاً أو ممرات الآخرين في الوصول الىالقارئ. أو لنقل إنها لا تلتفت الى هذه الطرق بالأصل. إنها تومئ وتشير أكثر مما تقول وتوُصّف. كلامها القليل هو بمثابةرموز وإشارات يلوّح بها الشاعر من أرض عزلته. هناك حيث تتلاطم العتمات، وتقف اللغةالخرساء والمخنوقة عاجزة عن سرد الكارثة تنبجس اللعثمات والأصوات أكثر مما تتدفقالعبارات الواضحة المكتملة.عبر هذه اللغة الطقوسية المواربة التي تشيعهاقصيدة الرؤيا يتخفف الشاعر من حمل الهموم الهامشية التي تتسبب بها وقائع هشةوسريعة. انه يترك هذه القضايا الى آخرين غيره فلربما يبتّون فيها. قد يكون هؤلاءحكماء أو قضاة أو خطباء ، أما هو فله حكمته الناقصة أو حكمته الضالة على وجهالدقة. إنه مشغول بكارثة كبرى اسمها الوجود، وبذلك النمل الذي يدب في أعماقه ويقضمعلى مهل برعم الضوء.
نجد أن الكاتب قد استمد مصطلحات ومفاهيم دراسته للشعر الجديد من أربعة حقول معرفية مختلفة من حيث مرجعياتها :
الحقل الأدبي والنقدي
الحقل النفسي
 
الحقل الفلسفي
 
 الشعر الجديد- الطرق الشعرية القديمة – الشاعر الجديد- الحادثة ...
 رؤيا نفسه – الذات – إحساس- الخيال – الحلم ...
نظام الأشياء – الكشف عن العالم – قلق الإنسان- الخلق –مشكلات كيانية – المعرفة- العلم ميتافيزيائية – العقل – المنطق ...
 تهيمن المصطلحات والمفاهيم الفلسفية لأن الكاتب في سياق عرض الفلسفة الجديدة التي يقوم عليها الشعر الجديد. وهي مصطلحات ومفاهيم ستؤسس للنقد والأدب كمؤطرين للقصيدة الرؤيا .
 نجد أن قضية النص متفرعة إلى قضايا أخرى يمكن تجسيدها في ما يلي :
1-    رؤيا مستقبلية / رؤيا أفقية: وهي قضية ترتبط بالزمن كمحدد للوجود البشري : في عالم هو اليوم عالم التشظي والتشيؤ . ولا يغيب عنا أن الشعر عند أدونيستجربة شعرية تصدر عن ذات محتقنة بفحولة التاريخ العربي في واقع يفتقر إلى الفحولة والخصب .تجربة شعرية محتقنة بجموح الحضارة العربية قبل أن يصلت سيف الاستعمار على عنقها.فموقف الشاعر شبيه بموقف المسيح من جثة لعازر.
-         معنى الخلق والتوليد / معنى سردي وصفي : القصيدة الجديدة بنية من الدلالات التي لايقفوها أثر المعنى الوحيد بل سيرورة لا متناهية من المعاني عكس القصيدة القديمة التي تلبس حلية المعنى القريب ، والوحيد .
2-     الخيال والحلم/ العقل والمنطق : الشاعر الجديد، يكتب. والكتابة جمع وإلمام فهو على وعي بالتميز والتفرد في علاقته بالواقع الحضاري المنهار. فجعل معاني الحياة والموت في شعره تسير في اتجاه الخيال والحلم ،حتى ينطلق من اكتشاف مفهوم التحول لدفع الواقع العربي نحو البعث والتجديد وليس بالمنطق والعقل .
يستند الكاتب في معالجة أطروحته على مرجعيات متنوعة منها :
-        التصوف : ثمة شعر يفرض عليك تجربة فريدة، يحرّك نسيج كلماتها في العمق منك ما تجد له في نفسك حالة بحيث إذا بلغت حميمية القصائد تراها مكاشفة تبلغ الماورائيات عبر المعاني العشقية والشعر هو ما لا يمكن أن تقوله بطريقة أخرى.
-        السوريالية : هي مذهب فني ساد فيفرنسا وأوربا خصوصا في فترة ما بين الحربين العالميتين رائد هذا المذهب الفكريوالفني هو اندريه بريتون حيث اعلنه سنة 1924تعتمد السوريالية على الخيال بعيداعن الواقع وكما يعرّفها اتباعها بأنها الخيال والحلم بعيدا عن قيود الواقع. والقصيدة الجديدة تعتمد تجاوز الواقع عن طريق الخيال .
-         الرومانسية: نظرية أدبية جاءت كرد فعل تجاه نظرية المحاكاة .فجعلت الشعر فيضا تلقائيا من العواطف .
الوجودية : اتجاه فلسفي يغلو في قيمة الإنسان ويبالغ في التأكيد على تفرده وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار ولا يحتاج إلى موجه. وهي فلسفة عن الذات .
-     الرمزية: "هى أسلوب من التصوير غير المباشر والمجازى لفكرة أو صراع أو رغبة لا واعية، بهذا المعنى يمكننا عد كل تكوين بديل رمزى" 
يوظف الكاتب ثلة من طرائق العرض تقوم على :
·      توظيف اسلوب الاستنباط القائم على الانطلاق من الكل الى الجزء . اذ يعرض كلية الشعر الجديد ثم يعرض الجزئيات المتصلة به .
·      توظيف أسلوب الحجاج : فالكاتب يسعى الى اقناع المتلقي بفحولة الشاعر الجديد في عالم الرؤيا .لذا يوظف الاستشهادات لدعم اطروحته :
·      الشعر "هو الكشف عن عالم يظل أبدا في حاجةالى الكشف " رونيه شار
·      جوهر الشعر ، كما يقول بودلير ، هو " السيردائما ضد الحادثة "
·      الشعر " اكتشاف ما لا يعرف..." كما يقول رامبو .
ان استشهاد أدونيس   بأقوال شعراء غربيين ليعكس ميلاد القصيدة الرؤيا في العالم العربي عن طريق المثاقفة وانفتاح الشاعر على الثقافات والآداب الغربية .
يوظف الكاتب مجموعة من وسائل الاستدلال منها :
-     التعريف والرؤيا بطبيعتها قفزة هخارج المفاهيم القائمة .
-     المقارنة : اذ يصبح الشعر واقعيا يقترب من النثر ..
-     السرد: ..انه احساس شامل بحضورنا ، وهو دعوة لوضع معنى الظواهر من جديد...
      القصيدة الرؤيا بالمعنى الذي يفصح عنه أدونيس في هذا النص قراءة جديدة لتاريخ الانسان في الكون فاذا كانت قصيدة التفعيلة قد كسرت بنية الشعر ، فان أسئلة جديدة ولدت تتعلق بطبيعة قصيدة الرؤيا . تسعى الى تطوير الايقاع وجعل المضمون هو الذي يؤسس شكل النص فيصبح الشاعر الحق هو من يكسب ما ليس له معنى ، معاني توليدية .
مشاريع
 
Publicité
 
 
Aujourd'hui sont déjà 1 visiteurs (10 hits) Ici!
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=